mardi 15 novembre 2011















نصري الصايغ

ـ مع الثورة السورية.. إنما



مع هذه الثورة تحديداً، لأنها ناضلت ودفعت ثمناً شاهقاً، لإزالة الاستبداد.. مع هذه الثورة السورية، أحد براعم الربيع العربي، لأنها حملت بشارة الحرية ورفعت هامة الكرامة ونبل العدالة.. مع هذه الثورة السورية بكل ما بذلت وأعطت ووعدت..

معها، هذه الثورة، لأن شرعيتها بنت معاناتها وبنت أهدافها وبنت ما دفعته من مهر غالٍ لكسب الوطن.. معها هذه الثورة، لأنها تشبه بشبابها ورجالها ونسائها، ثورة تونس وثورة مصر. ويكفي الثورتان، أنهما أطاحتا نظامين مستبدين أصيلين في الفساد والتبعية.

ومع هذه الثورة السورية، لأن الوقوف إلى جانب نظام وسلطة، كان عيباً سياسياً. برغم ما لهذا النظام وهذه السلطة، من فضائل في مواجهة سياسات الغرب الموالية والداعمة والمؤيدة والمحرّضة لإسرائيل، وما لهذا النظام من مواقف عملية جريئة، بل متطرفة، في دعم المقاومة الشعبية، الإسلامية في لبنان والوطنية في فلسطين، والتحررية في العراق. برغم كل ذلك، كان الوقوف إلى جانب هذه الثورة السورية، واجباً وطنياً وإنسانياً وأخلاقياً، تمليه سياسة الأحلام الكبيرة، بعودة الشعب إلى صدارة الحضور السياسي، ممسكاً بزمام أموره وكرامته وحريته ومستقبله ومصالحه. وتمليه رغبة عارمة بتكنيس أنظمة الاستبداد، التي وطئت صدور شعوبها قرابة نصف قرن من الزمن.

إنما، وتحديداً بعد أمس الأول، لم يعد الوقوف إلى جانب هذه الثورة ممكناً، مع انحناءة لجسامة ما دفعته حتى الآن. والسبب في ذلك، أن الثورة القائدة لأملنا، صارت مقيّدة بآمال أنظمة عربية أشد استبداداً وظلامية، وأنظمة تنتمي إلى «عائلات» المجتمع الدولي، التي امتهنت أسلوب المافيات السياسية.



ـ ثورة بقيادة ليفي عربي



لا يمكن إلا الوقوف حتى الثمالة، مع ثورة تقود شعبها إلى الانتصار. ولا يمكن الوقوف أبداً، مع ثورة تقودها أنظمة عربية متهمة بكل ما يمت إلى الاستبداد الفاجر والتبعية الكاسرة والطائفية المجرمة. فهذه أنظمة ضد شعوبها في الأساس. تعيش على قمعها، ليلاً نهاراً، وعلى رشوتها إذا أحست بغضب قد ينفجر. ولها من سعة النفط ما يسمح لها ببرطلة شعوب أخرى ودول أخرى.

ولا يمكن الوقوف مع ثورة، وعدت بعدم طلب الدعم الخارجي، فانجرّت إلى تسليم أمرها السياسي وأمورها المستقبلية، لدول محكومة بمصالح إسرائيل ولا ترفض لها طلباً.

لا يمكن الاطمئنان إلى أن أميركا التي تطارد فلسطين في كل مكان في العالم، لمنعها من الحضور الرمزي في المنظمات الدولية، يمكن ان تكون حامية الديموقراطية في سوريا. لا يتصور أن يكون برنارد هنري ليفي، «نبي» ساركوزي الذي يوحي إليه بسياسات التدخل لأسباب إنسانية، عفيفاً ديموقراطياً، وهو الملوّث عقلاً وفكراً وأخلاقاً بصهيونية شرسة. لقد سبق لهذا «النبي» أن قاد حملة تدخل «الناتو» في ليبيا، وتبرع بالدعوة في باريس لاحتضان الثورة السورية. كيف يمكن ان تكون مع الثورة ومع برنار هنري ليفي؟

لا... لا يمكن أن تكون مع ثورة، سيأخذها قادتها الجدد، العرب بقيادة أمير كازينوهات قطر السياسية، والغرب بقيادة سفاحيها المتورطين في مباركة الاستيطان، والمبادرين إلى محاربة كل من ينتقد اسرائيل أو يدعو لمقاطعتها، حتى ثقافيا، عبر ترويعه بتهمة معاداة السامية.

لا، وألف لا، لا يمكن أن تكون مع ثورة، كانت ذات أشهر مجيدة، تعد بالديموقراطية والحرية والوطن، أسلمت قيادتها لمن لا سياسة عنده، تعلو سياسة ذبح المقاومة في لبنان. لم يظلمنا أحد، كما ظلمنا المجتمع الدولي.



ـ مع المقاومة.. وقلبي على الثورة



بين الثورة، وقد آلت إلى هذه المآلات المأساوية، وغير المربحة كذلك، وبين المقاومة، قلعة المواجهة، ومعجزة الإنجاز، ووعد التحرير ـ تحرير فلسطين ـ الخيار الحاسم هو أن يكون أي كثوري سوي ومثقف ملتزم مدرك لأبعاد السياسات الغربية، إلى جانب المقاومة.

بين الثورة، في حلتها العربية والدولية، وبين المقاومة في جبتها وعباءتها وترسانتها، أختار المقاومة، وقلبي على الثورة. لقد كشفت الجامعة العربية ما كان يمكن أن يبقى مستوراً ولو بغلالة نفاق.. الجامعة العربية تريد أن تصل إلى رأس المقاومة من البوابة السورية. لقد حاولت إسرائيل ومعها العرب والعالم، اقتلاع المقاومة وهزيمتها عسكرياً وفشلت. انتصرت المقاومة بقوتها وتفوّق إنسانها وصلابة الدعم السوري وقدرة الدفق الايراني.

عرب الزمن الأسود سمّوا «فعلة تموز»، تأدباً، مغامرة، وقامروا في دعم الحرب الإسرائيلية، ومع أطراف لبنانية، علهم بذلك يسقطون رأس قوة المقاومة والممانعة. عرب الزمن الأسود والنفط الأسود والدول الأوروبية البيضاء، اسودّت وجوههم عندما انتزعت هذه المقاومة بصمودها، نصراً استراتيجياً لا مثيل له في علم الحروب، وفقه المواجهات. ومنذ ذلك الزمن الأسود، والمقاومة في لبنان تتعرض لاستنزاف، سياسي وإعلامي وطائفي. لم تنزلق المقاومة إلى ما يراد لها من فتنة سنية شيعية. كان انصرافها إلى زيادة التسلح، صلاتها اليومية، وركعاتها الدائمة. وسلاحها هذا، ليس من مصنع إلهي، ولا من مهدي منتظر، بل من مخازن قريبة وبعيدة، تعبر إلى لبنان، من سوريا.

بين مقاومة يطاردها العالم ويفشل. وبين ثورة تطارد العالم كي يقودها، الخيار هو الوقوف إلى جانب المقاومة.

في الأساس، كان من المفترض أن تكون المقاومة والثورة في خندق واحد. إنما، ولأسباب موضوعية عميقة الحضور والتأثير، انحازت المقاومة إلى النظام. وهذا مفهوم ومقبول. المقاومة ليست مسؤولة عن طبيعة النظام. بل هي تسأل السوري عن سياسة هذا النظام. كانت سياسة النظام الدائمة، توفير الدعم وشبكة أمان للمقاومة. وان ترك هذا الأمر ضرب من الجنون والانتحار. لقد ضحت المقاومة بالثورة، لإنقاذ ما أنجزته وتأهيل ما تستعد له من مواجهات ومعارك في المستقبل. كان هم المقاومة إيجاد حل يتحقق فيه الإصلاح والانتقال السلمي إلى مرحلة سورية جديدة. لا النظام في دمشق عمل على ذلك، ولا الثورة استطاعت أن تفرض ذلك على النظام... طبعاً، يتحمل النظام في سوريا مسؤولية ما آلت إليه الأمور. بل يتحمل مسؤولية دفع الثورة لطلب الحماية الدولية. لقد قيل له مراراً، ولم يسمع، ولم يرد أن يسمع، إن القبضة الأمنية وبال على الثورة وعلى النظام معاً. وها قد جاء البرهان.

عند هذا المفترق، باتت الخيارات واضحة:

ثورة بقيادة دول المجتمع الدولي المنحازة إلى إسرائيل، عبر وكلائها العرب من أنظمة الاستبداد الأبدي، ومقاومة ضد اسرائيل وهذا المجتمع الدولي ووكلائه الإقليميين. والحرب ستكون مفتوحة، من الخليج وأنظمته، إلى الجزائر المهددة باستقرارها ونظامها، إن خالفت «غيفارا» قطر.



ـ مستقبل الحروب المفترضة



أي مستقبل غداً؟

المشهد الإقليمي يحبل بكوابيس حروب:

حرب أهلية طائفية مذهبية في سوريا.

حرب استنزاف ضد النظام من قوى مسلحة محمية إقليمياً ومسلحة دولياً.

حروب سياسية قد تفضي إلى نوع من التدخل الأمني/ العسكري/ مصحوب بحصار اقتصادي.

انتقال الحرب من الداخل السوري إلى محيطه الاقليمي: لبنان مرشح لذلك جنوبا وشمالا، حيث تحاسب قوات الطوارئ الدولية، على ذمة دولها الداعمة للتدخل في سوريا.

توسع العنف ليصل إلى الخليج الذي تعيش مياهه على صخب التصريحات المناوئة للنووي الشيعي الإيراني.

أي مستقبل غداً؟

السيد حسن نصر الله، حذر من كرة نار تتدحرج، إذا ما حصل اعتداء على سوريا. السيد علي الخامنئي، حذر من الضرب بيد حديدية، على كل من يحاول الاعتداء على إيران.. أما دول الجامعة العربية، فقد فتحت الباب للرياح الدولية، وهذه إذا عصفت، لا ينجو خليج منها ولا متوسط.

النظام السوري، من حيث بنيته وعلاقته بشعبه، لا يشذ عن قاعدة الأنظمة الاستبدادية، إلا أنه ليس تونس ولا مصر ولا ليبيا. النظام السوري جزء من نظام إقليمي عميق الجذور ووثيق العلاقات، له أهداف استراتيجية، تكرّست عبر عقود. هو نظام مدعوم بقوى إقليمية، إيرانية لبنانية، لا يستهان بقوتها وقدرتها على الفعل. وقيمة هذه القوى، انها غير خاضعة لمقتضيات النظام الدولي. انها تقريباً متمردة عليه وعاصية فيه. فقد عاشت إيران منذ ولادة ثورتها، حصارات متناوبة، وحروباً كبرى بالأصالة وبالوكالة، ونجحت في تجاوزها كلها وبناء دولة بقدرات تكنولوجية ونووية، في ظرف عقود قليلة، تلك هي المعجزة الإيرانية.

كما عاشت المقاومة، منذ اندلاع عملياتها في جنوب لبنان، حالات من الحصار والعدوان والمعارك (1993، 1996، 2000، 2006) ومع ذلك فقد كانت تخرج في كل مرة أقوى مما كانت عليه... أما سوريا، فحدّث ولا حرج، فهي، منذ اندلاع معركة ميسلون، وتعيش المواجهات القاسية والحروب الخاسرة، ولم تستسلم أبداً.

هذا الثلاثي، إما يبقى معاً وإما يسقط معاً.

بقاؤه أو سقوطه، تبرهن عليه حرب إقليمية كبرى. وبقاء إسرائيل أو سقوطها، تؤكده نتائج تلك الحرب كذلك. إن الخطر الذي يقرع باب سوريا، لن يوفر الأبواب العربية والاقليمية، فالجميع في عين الإعصار.



ـ استدراك



إنه لمؤسف أن يصبح الخيار بين الثورة والمقاومة. حال التمزق النفسي والخلقي لا يمكن وصفها في حال الانحياز.

بين الثورة والنظام، الانحياز سهل. تختار الثورة.

بين الثورة والمقاومة، تنشطر نصفين. نصفك هنا، ونصفك الآخر هناك... لا تندمل. تتحسر فقط. تقول لو.. تمضي في خيارك في وجهة المقاومة، وقلبك على ثورة جديرة بالانتصار، لولا...

إنه لمؤسف ان تكون الأخطاء السياسية باهظة، وتكون كلفتها حروباً ودماء ودماراً وانعدام أفق.

من يرَ منكم ضوءاً، فليدلنا عليه، في هذا الزمن العربي الدامس، كي نستعيد الأمل بالربيع العربي المطهّر من رجس الغرب ورعاياته التي يمارسها بأنيابه.









Aucun commentaire: